مقالات ساخنة

الفتنة كانت نائمة لعن الله من أيقظها

ما أعجب صاحبة الجلالة المصرية -الصحافة كما يُعرِفُها الصحفيون - فهي مازالت كما هي في شكلها ومضمونها، في فهمها وكتاباتها، في تناولها لمشاكل المجتمع المصري وفي حلولها التي لم تعد تتناسب مع التطور المذهل للصحافة العالمية. فالصحافة المصرية لا زالت متخلفة عن الركب ما يقرب من خمسين عاماً، وهى أصولية لا تعترف بدخول الكمبيوتر، والساتاليت أو الإنترنت، وتصر على أنها الوحيدة القادرة على تحريك الشعب المصري، وتفهيمه قضاياه وفرض الحلول لمشاكله بما تراه صاحبة الجلالة من وجهة نظرها، وعلى الناس أن يسمعوا ويطيعوا ويقتنعوا ويصدقوا ويقبلوا ويبلعوا ما تمليه عليهم الصحافة المصرية. وعلى المصريين كباراً وصغاراً أن لا يسمعوا إلا لها وأن يُنكروا كل ما يرونه ويقرأونه ويعرفونه من حقائق تتعلق بمشاكلهم ومصائرهم وأقدراهم ما دامت صاحبة الجلالة لا ترى ولا تريد أن ترى ما يرون. والويل كل الويل لمن يخالفها، فأجهزة الأمن تقف خلفها وأجهزة الدولة تحمى ظهرها، فما قرأته من مقالات وتحليلات صحفية لأحداث هذا الشهر بين المسيحيين والحكومة والأجهزة الأمنية يؤكد ذلك. والحقيقة أنني لم أكن أنوي الكتابة حول هذا الموضوع فلست ممن يُثارون أو يتشنجون لرؤية مسيحية أو مسيحي يشهر إسلامه مهما كانت مكانة هذا المسيحي، ليس فقط إذا كانت امرأة كاهن بل حتى لو كان الكاهن نفسه. والسبب في lستحالة استثارتي بهذا الأمر ترجع إلى عدة أسباب: أولها: إن قوة المسيحية لا تكمن في تعداد أفرادها بل قوة المسيحية هي شخص السيد المسيح الحي تبارك اسمه وهو الذي تبين أسماؤه الحسنى أنه القوى، القادر على كل شيء، الألف والياء، البداية والنهاية. فلن يُضير المسيحية ولا المسيحيين أن يغير أغلبهم دينهم ولن يضعف ذلك من قوتها. ثانياً: إن المسيحي الحقيقي هو ذلك الذي يملأ السيد المسيح قلبه وكيانه فلا يؤمن إلا به ولا يصلى إلا له ولا يقبل سواه رباً وسيداً ورسولاً، وهؤلاء لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، أما ما عداهم فليسوا بمسيحيين حتى لو كانت أسماؤهم متى أو مرقص أو لوقا أو يوحنا. ثالثاً: أنا أؤمن بحق الإنسان في اختيار دينه وعقيدته ورسوله وربه فلا إكراه في الدين، ودين الإنسان هو ما يؤمن به في قلبه حتى لو لم يصرح به بلسانه، أما تصريح اللسان فواجب لاكتمال الدين، فمن فضلة القلب يتكلم اللسان، فليس في استطاعة الإنسان أن يغير ما بقلب الإنسان، قد يُجبره على الاعتراف بانتمائه لدين معين لكن ليس ثمة قوة تُجبر الإنسان على الإيمان بغير ما يريد. رابعاً: إن للكون خالقاً جباراً يعرف الخبايا والأسرار وهو المتسلط في مملكة الناس وإن للسماء سلطاناً لا يجب أن يتدخل البشر في إصلاحه أو إفساده وهم على كل حالٍ غير قادرين على ذلك. أما ما دفعني لكتابتي هذه، فهو طريقة تناول بعض صحفيينا لهذا الموضوع الشائك الخطر، وأخص بالذكر الكاتب الديني فهمي هويدى، في مقاله المنشور بجريدة الأهرام في 21/12/2004 تحت عنوان "هوامش على مشهد الفتنة". يقول الكاتب الكبير إننا لابد أن نتعامل مع قضية إسلام زوجة الكاهن بأعلى درجات الصدق والمسئولية، وهذا ما كنت أتمنى أن يلتزم به سيادته وكل من تناول هذا الموضوع بالكتابة والتحقيق، ففي رأى سيادته أن كل ما حدث على حد قوله بالنص: "أن كل الضجة التي حدثت لم يكن لها ما يُبررها من التظاهرات الفاضية إلى اعتكاف البابا شنوده في الدير" فالأمر كما يراه والحقيقة الصادقة البسيطة في نظره أن زوجة الكاهن هي التي أرادت إشهار إسلامها فكان لزاماً على المسيحيين وعلى رأسهم البابا المعظم الأنبا شنوده الثالث أن يقبلوا هذا الوضع صاغرين حتى ولو أركبوا زوجة القسيس على الحصان الأبيض وطافوا بها كما يعمل الكثيرون ممن يشهرون إسلامهم في القرى والمدن الصغيرة والذين رأيت بنفسي بعضهم وقد أطال المغنون والمهللون الفرحون الوقوف أمام بيوت ذويهم وأقاربهم إمعاناً في إذلالهم.وقد رأى السيد فهمي هويدى أن موقظي الفتنة كانوا كثيرين منهم "أقباط الخارج" ومن قاموا بالتظاهرات والهتافات و"المتربصون والمتصيدون الذين زادوا النار اشتعالاًً وراحوا يستثيرون الحكومة الأمريكية والمنظمات الدولية" وهذه طريقة معالجة صحافة الخمسينات إلى أواخر التسعينات وهى أن تلقى اللوم على ضحية حتى لو كانت بريئة ولا تبحث في أصول المشاكل وبالطبع استثنى سيادته من موقظي الفتنة رجال الأمن والأجهزة المعنية بتطبيق ما أسماه بالتعليمات الإدارية الذي سيأتي الحديث عنها. ولم ينس سيادته أن يذكر لنا تعداد المصابين من ضباط الشرطة والعساكر، وبالطبع فقد استقي معلوماته من رجال الشرطة أنفسهم وهم الخصوم في هذه الحالة، لكنه نسي أو تناسي أن يذكر لنا كم من المسيحيين أصيبوا ونقلوا إلى المستشفيات وكم منهم أودع السجون ولم يفرج عنهم حتى الآن (حتى كتابة هذه السطور). وكأن المسيحيين خرجوا كالغوغاء في شوارع القاهرة يرجمون رجال الأمن بالحجارة الذين وقفوا مكتوفي الأيدي إيماناً منهم بحقوق الإنسان في التعبير عن نفسه. وللصدق والمسئولية التي طالب السيد فهمي الأطراف المعنية أن تتعامل بها أقول إنني بالرغم من معرفة الآلام النفسية والضغوط التي جعلت هؤلاء الشباب ينفجرون في حادثة التظاهر هذه فأنا لا أوافق تحت أي بند من البنود أن يصل الأمر بالمتظاهرين أن يعبروا عن رأيهم بأيديهم، فهذه وسيلة الغوغاء الذين لا إله لهم والذين يرون أنهم يمكنهم الدفاع عن حقه في الأرض سبحانه وتعالى بأيديهم. ولم ينس السيد فهمي أن يدون لنا في مقاله عملاً بمبدأ الصدق والمسئولية أن الهتافات والنداءات كان بعضها "جارحاً لمشاعر المسلمين، والبعض الآخر تطاولاً على هيبة الدولة والنظام" ولم يتكلم سيادته عن مشاعر المسيحيين الذين يرون في ما حدث في هذه القضية إهانة عظمي لهم ولكنيستهم وقادتهم الدينيين، فمشاعر المسيحيين جُرحت بما فيه الكفاية منذ منتصف القرن السادس الميلادي، فهذه تراكمات القرون والسنين والتي لا تزال تغلى في صدورهم ولن يريحهم منها إلا المولي تبارك اسمه، وإلا فالعاقبة أكبر من أن تحتمل. ولعل أغرب وأعجب ما كتب سيادته في مقاله وما أراه بعيداً كل البعد عن الصدق والمسئولية هو حديثه عن الغضب غير المنضبط الذي استبد بالجميع "والذي أججه بعض المتعصبين والمتطرفين داخل الكنيسة وخارجها" على حد قوله، ثم يتلوها مباشرةً بهذا الاقتباس: "ولكن أكثر ما أجج المشاعر ورفع درجة التوتر أن بطريرك الأقباط البابا شنوده انضم بدوره إلى الغاضبين وامتنع عن إلقاء عظته الأربعاء 8/12 حين كانت الحشود التي جاءت من كل صوب بانتظاره في مقر البطريركية لتسمع منه كلمة تهدئ الروع وتسكن الخواطر". فما أبعد هذا الكلام عن الصدق والمسئولية، فأن تضع قداسة البابا المعظم شنوده الثالث على رأس المتعصبين، والمتطرفين داخل الكنيسة فهذا ليس صدقاً ولا تبدو المسئولية فيما تقول، وأن تُحَمِلْ قداسة البابا المعظم وزراً أكثر ممن تسبب في تأجج الفتنة فهذا ليس صدقاً وليس له روح المسئولية، وأن تصف الجموع التي احتشدت في الكاتدرائية أنها جاءت لتسمع كلمة تُهدأ من روعها وتسكن خواطرها فهذا ليس صدقاً، فالجموع التي احتشدت في الكاتدرائية جاءت في غضب شديد تريد أن تسمع كلمة صدق من أبيها الروحي الذي يعرف الجميع أنه صادق والذي لم يستطع أن يوارى أو يكذب أو يهدأ الحشود بكلمات قد تزيد من غضبهم وانفعالهم حتى على شخصه، فقرر في حكمته الصمت والانسحاب والاعتكاف. ولو أراد قداسته أن يؤجج الغضب ويشعل الفتنة لتكلم لشعبه وشرح لهم الموقف بصراحة ووضوح. وإليك يا سيدي ما قد تعرفه أو لا تعرفه، أنه لو كانت أجهزة الأمن قد أحضرت المرأة في الوقت الذي حدده قداسته، لما اضطر إلى الاعتكاف، ولكان الموقف كله انتهي في جملة واحدة قبل موعظته وهي أن المرأة في حوزة الكنيسة. وقد كنت أظن أن أجهزة الأمن تفطن لهذا الأمر ولا تعطى الفرصة لقداسته أن يحدد موعداً لتسليم المرأة بل كان عليهم أن يبلغوه أن المرأة سترجع قبل ميعاد العظة وبهذا كانت قد حفظت ماء وجهها ولم توضع في موقف من ينبغي أن يتصالح لطلب مواطن من الرعايا المصريين حتى لو كان البابا المعظم، الأمر الذي أري أنه جعل رجال الأمن يبطئون في تنفيذ طلب قداسته، وهذا أمر طبيعي مفهوم لكن نتائجه لم تكن في صالح الجميع. وبالصدق والمسئولية أقول إن اعتكاف قداسة البابا في هذا اليوم وعدم مواجهته للجمهور الغاضب كان سبباً مباشراً ورئيسياً في وقف كارثة كان يمكن أن تحدث في بلادنا مصر الغالية. ويذكر السيد فهمي هويدى كثيراً من المعلومات التي قال: "استقيتها من الجهات التي باشرت الموضوع من أوله إلى آخره" وسؤالي لك أيها الكاتب الكبير، أية جهات هذه التي باشرت الموضوع من أوله إلى آخره. أما الجهات التي باشرت الموضوع فهي: 1- جهاز الأمن 2- مطران البحيرة 3- المرأة نفسها 4- ابنتها شيرين المتخرجة في كلية العلوم والتي هيأتها والدتها لإدارة البيت في غيابها (وكأن الابنة كانت موافقة على غياب أمها). 5- الكاتدرائية المرقسية وعلى رأسها قداسة البابا المعظم الأنبا شنودة. 6-العائلة المسلمة التي لجأت إليها زوجة الكاهن لتعيش معهم على حد قولك. فمنْ مِنْ هذه الجهات تقابلت أو سمعت سيادتكم واستقيت معلوماتك. فمن الواضح بناء على ما جاء في مقالك أنك لم تسمع من نيافة مطران البحيرة، ولم تقابل المرأة نفسها ولا ابنتها ولا قداسة البابا أو أحداً من الكاتدرائية المرقسية. إذاً فمعلوماتك يا سيادةالصحفي الكبير جاءت من طرف واحد، وأنا أرى أن في هذا مشكلة تتعلق بالصدق والمسئولية في جمع هذه المعلومات، ولهذا فلن أعلق على كل هذه المعلومات التي ذكرتها في مقالك، فالمعلومات الصادقة المؤكدة والمسئولة وحدها هي التي تستحق منا التعليق. لقد أبرزت يا سيد فهمي في مقالك جملة كررتها ثلاث مرات وهي "التعليمات الإدارية" فقد قلت إن "الإجراء المتبع في هذه الحالة (حالة إشهار إسلام مسيحي) الذي تنص عليه التعليمات الإدارية هي أن لا يتم تسجيل إشهار تغيير الدين إلا إذا رتب للشخص المتحول جلسة أو أكثر مع بعض رجال الدين الذي ينتمي إليه، معروفة باسم جلسات "إسداء النصح"، ثم قلت في عرض المشكلة التي حدثت بين نيافة مطران البحيرة وجهاز الأمن أن المطران "رفض فكرة عقد جلسة أو جلسات إسداء النصح... في حين أن جهاز الأمن كان ملتزماً بالتعليمات الإدارية... واتهم جهاز الأمن بخطف السيدة والتستر عليها... في حين أن المسئولين ) أي مسئولي جهاز الأمن) لم يفعلوا أكثر من التزامهم بالتعليمات الصادرة في الموضوع" والصورة التي رسمتها هنا يا سيادة الكاتب أن جهاز الأمن لم يعمل إلا ما كان واجباً عليه أن يعمل وهو التمسك بتطبيق التعليمات الإدارية والمشكلة كمنت في رجال الكنيسة الذين رفضوا تطبيق التعليمات الإدارية. وبغض النظر عن محتوي هذه التعليمات الإدارية وكيفية تطبيقها، فهل خلقت هذه التعليمات الإدارية لأجل حماية الإنسان والمجتمع أم خلق الإنسان لتطبيق هذه التعليمات الإدارية، وإن كانت التعليمات الإدارية هذه لا يمكن تخطيها أو تكسيرها أو تعديلها وفقاً للحالات المختلفة، فلماذا تنازلت أجهزة الأمن عن هذه التعليمات الإدارية بعد فوات الأوان ووقوع الكارثة، ولماذا لم يقبل جهاز الأمن الإغفال عن هذه التعليمات قبل ثورة المسيحيين، هل لابد من التظاهرات والتحديات حتى نُصلح من التعليمات الإدارية التي صرنا عبيداً لها، هل هذه التعليمات الإدارية سيف آخر يُسَلّطْ على رقاب المسيحيين كتلك السيوف التي استخدمت في القديم لترغم المسيحيين على قبول الأمر الواقع والاستسلام لسياسة الفاتح لبلادهم. وأين هي التعليمات الإدارية ولماذا لا تطبق في مسألة إشهار إسلام القاصرات مع أن التعليمات الإدارية ترى أنه لا يجوز إشهار إسلام القاصرات (ملف إسلام القاصرات موجود للاطلاع عليه بإحدى هيئات حقوق الإنسان). لماذا لم تطبق التعليمات الإدارية على المسلمين الذين يريدون أن ينضموا إلى المسيحية.قلت يا سيادة الكاتب إن "بعض قيادات الكنيسة الأرثوذكسية رتبت المظاهرة التي حدثت أثناء القداس الذي أقيم بمناسبة وفاة الزميل سعيد سنبل وجرى استدعاء عناصر متعددة من مختلف أنحاء البلاد. فهل تملك الدليل على ما تقوله في هذا الشأن، وأين كانت أجهزة الأمن في فترة استدعاء هذه العناصر المتعددة من مختلف أنحاء البلاد. هل كانت تعلم أن هناك مؤامرة لإحداث الشغب والتظاهر وتركت الجموع تدخل إلى الكاتدرائية وتنفذ مخططها أم أنها لم تكن تعلم بها، فإن كانت تعلم فهي المسئولة عن عدم احتواء الأزمة وإن لم تكن تعلم فهذه كارثة تستحق الدراسة. وسامحني إذا لم أقتنع بصدق هذه المعلومة غير المسئولة، التي تهين جهاز أمننا الذي يراقب جلوسنا وقيامنا ونومنا وتليفوناتنا وما خفي كان أعظم. تقول سيادتكم أن زوجة الكاهن ذهبت إلى بيت المكرسات وكان ظنها أنها ذاهبة لتشهد جلسات "إسداء النصح" أليس هذا استخفافاً بعقلية القارئ. يا سيدي الفاضل، ألا تنص التعليمات الإدارية أن جلسات إسداء النصح لابد أن تكون في مديرية الأمن أو أحد أقسام البوليس أو على الأقل في مكان محايد وليس في بيت للمكرسات. أليس من واجب أجهزة الأمن أن تفهم امرأة أرادت أن تشهر إسلامها أنها خذلتها وأنها ستذهب لتمارس عليها كل أنواع الضغط لكي ترجع إلى المسيحية. وهل جلسات النصح هذه متوفرة لكل من يريد أن يغير دينه من الطرفين أم أن إسداء النصح فقط لمن يريدون إشهار إسلامهم وجلسات التعذيب ونزع ا لأظافر والكهرباء هي أساليب النصح لغيرهم. يقول الكاتب الكبير بعد إطلاعه على حالات مشابهة لحالة هذه المرأة: "وحين وقفت على بعض تلك الحالات استوقفني أمران، أولهما أنه حدث تسرع غير مألوف في نقل القضية إلى الرأي العام في الداخل والخارج" ... هذا أمر طبيعي يا سيادة الكاتب، فالحالات السابقة التي لم يحدث معها تسرع غير مألوف في نقل القضية إلى الرأي العام في الداخل والخارج كانت قبل عصر الإنترنت والبث المباشر من المنازل لأنحاء العالم المتقدم، والحقيقة أن غير المألوف أن تكون هناك حالات كهذه ولا يتم نقلها بسرعة إلى الرأي العام في الداخل والخارج. كما أن الأمر ليس تسرعاً غير مألوف بل سرعة غير مألوفة عند العاملين لدي صاحبة الجلالة التي لا تريد أن تعترف بالتغيرات العصرية كما قلت سابقاً. وربما تعود السرعة غير المألوفة إلى كمية الضغط الموجود بداخل من أبلغوا القضية للرأي العام في الداخل والخارج فكلما زاد الضغط ازدادت سرعة القذيفة الخارجة من القلوب, وربما سبب السرعة غير المألوفة هو الخوف من أن تبدأ أحداث مماثلة لأحداث الزاوية الحمراء أو الكشح أو جرزه أو طحا العمودين... إلخ. فكلما ازداد الخوف ازدادت معه شدة رد الفعل.أما الأمر الثاني الذي استوقفك يا سيادة الكاتب ويتعلق بحقيقة دور الكنيسة، وما إذا كانت تمثل قيادة روحية أم سياسية وما هي طبيعة علاقتها بالدولة وحدود التزامها بالقانون والنظام، وهذا أمر يستوقفنا جميعاً، ولابد من دراسته ووضع النقاط على الحروف في كل عنصر من عناصره، لكن المشكلة أن الدولة لابد أن تجلس حول منضدة مستديرة مع الكنيسة الأمر الذي تعتبره الدولة تنازلاً منها لما أسميته سيادتكم بسياسة لي الذراع. ويتعجب كاتبنا قائلاً: "كان طرفا الموضوع هما الكنيسة الأرثوذكسية وأجهزة الأمن، ولم نسمع صوتاً لأي مؤسسة أخري لا الأزهر ولا الأحزاب ولا منظمات المجتمع المدني المعنية بحقوق الإنسان، حتى عقلاء الأقباط التزموا الصمت". دعني يا سيادة الكاتب انتهز الفرصة لتحية الرجل الحكيم شيخ الأزهر الذي لم يتورط هو ولا مؤسسته في إبداء الرأي في هذه المسألة الخاسرة التي خسر فيها كل الأطراف، ولماذا يُبدي الرأي وأجهزة الأمن تقوم بالواجب وتحافظ على التعليمات الإدارية، وإذا ما تدخلت الأحزاب لزاد التحزب والشقاق ويكفي ما كتبته بعض الجرائد والمجلات المغرضة والهابطة في هذا الشأن، أما منظمات حقوق الإنسان فهي التي أوصلت صوت الأقباط للداخل والخارج وعقلاء الأقباط عملوا بقول تنزيل الحكيم العليم الكتاب المقدس "ليصمت العاقل في هذا الزمان الردئ". لكن دعني أسألك ماذا كنت تتوقع من هذه الفئات أن تقول، أو ماذا كنت تريدها أن تقول؟ ربما كان من الصدق والمسئولية أن لا تترك هذه النقطة دون تعليق. هل كنت تتوقع أن يطالب الأزهر بالإفراج عن المرأة وتسليمها للنصارى فتخرج المظاهرات لتندد بهذا وما يصاحب المظاهرات من كل أنواع الدمار. أم كنت تريد أن يتمسك بتطبيق التعليمات الإدارية بالرغم من انفجار الموقف، وكانت نفوس المسيحيين ستزداد اشتعالاً ولا يعلم العاقبة إلا المولي سبحانه وتعالي، أم أنك تريد أن تضع الأزهر ورجاله في وضع محرج والسلام، فهل هذه هي أقصى درجات الصدق والمسئولية. ولعل أصدق ما قلت في مقالك هو الدعوة لرصد الاحتقان في الساحة المصرية كلها والأقباط جزء منها. ولعلى أضيف إلى هذه الدعوة أن الأمر تعدي مرحلة الاحتقان إلى مرحلة التضخم وانسداد القنوات الهوائية التى تُنفَسْ عن صدور الناس، وإن لم نسرع باختراق هذا التضخم وإمداد المريض بالهواء النقي لخسرنا جميعاً خسارة فادحة في الأحداث القادمة بإذن الله.وفي النهاية أريد أن أنبه صاحبة الجلالة الصحافة المصرية بعدة نقاط:أولاً: الدنيا الآن غير الدنيا زمان وأن ما يتكلم به المسئولون في مخادعهم ينادى به اليوم من فوق السطوح، فإخفاء الحقائق من المحال في عصر الإنترنت.ثانياً: إن التعامل مع القضايا المسيحية الإسلامية بالطرق التقليدية بوضع عدد من المعترضين أو المتظاهرين أو الضجرين في السجن لمدة قصيرة أو طويلة لإرضاء كل الأطراف أصبح عملاً مبتذلاً قديماً لا يشفع ولا ينفع. فمن يدخل السجن لأجل دينه يخرج منه بإحساس أنه راض عن نفسه لأنه سُجن بهدف نبيل، كما يراه الآخرون وخاصة المسيحيون أنه بطل دخل إلى الحبس لأجل المسيح تبارك اسمه، وبهذا فنحن نعطيهم فرصة للشهرة والهجرة والحصول على (الجرين كارد) كمضطهدين من الأهالي والحكومة كما أننا نعطى فرصة للمتربصين بالانتقام من البلاد للعب بهذه الكروت التي أعطيت شرعية قانونية ودولية بوضعهم في السجون. إن دخول المصريين السجن بسبب إيمانهم لهو أسهل وأسرع طريقة لخلق أعداء لمصر في الخارج والداخل وسيظل الغضب والحقد والكراهية تعتمل في قلوب المحبوسين وأهلهم وأولادهم من بعدهم إلى أن يحين الوقت المناسب لإخراج هذا الغضب في كارثة أخرى ندعو المولي القدير أن لا تأتى سريعاً.ثالثاً: وأخيراً، إن الصدق في نقل الأخبار وسلامة التحليلات الصحفية والتعامل مع هذه الموضوعات بأعلى مستويات الصدق والمسئولية هو وحده سيضمن لنا أننا نعبر كل أزمة أو كارثة سنتعرض لها في المستقبل البعيد أو القريب والله المستعان.
Scroll